/ الْفَائِدَةُ : (11/ 278) /
06/04/2026
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [الْمَدَارُ الْمَعْرِفِيُّ عَلَى مَجْمُوعِ مُحْكَمَاتِ الْوَحْيِ] لَقَدْ أَثَارَ حَصْرُ مَصْدَرِ المَعْرِفَةِ الإِسْلَامِيَّةِ جَدَلًا مَعْرِفِيًّا وَاسِعًا ، وَلَغَطًا طَالَ أَمَدُهُ قُرُونًا بَيْنَ أَرْبَابِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ تَمَحْوَرَ حَوْلَ تَعْيِينِ المَرْجِعِيَّةِ النِّهَائِيَّةِ : فَهَلْ هِيَ حِكْرٌ عَلَى الكِتَابِ العَزِيزِ فَحَسْبُ ؟ أَمْ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ ؟ أَمْ أَنَّ العَقْلَ هُوَ المِعْيَارُ الأَوْحَدُ ؟ أَمْ تَنْحَصِرُ فِي حُدُودِ الوِجْدَانِ وَالمُكَاشَفَةِ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ وَمَذَاهِبُ . وَقَدْ أَشَارَ بَيَانُ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا](1) ، وَبَيَانُ حَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ الْوَارِدِ عَنْ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) : « ... وَإِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الْآخَرِ : كِتَابُ اللهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمْ »(2) إِلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي . وَأَشَارَ بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ مِنْ قَائِلٍ) : [لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ](3) إِلى الثالث. وَأَشَارَ بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ](4) إِلَى الرَّابِعِ . لَقَدْ تَبَايَنَتِ المَنَازِعُ المَعْرِفِيَّةُ لِلْمَدَارِسِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي تَعْيِينِ مَصْدَرِ التَّلَقِّي ؛ فَجَنَحَ المُتَكَلِّمُونَ وَالمُفَسِّرُونَ وَالمُحَدِّثُونَ إِلَى الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ (الكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ ، وَالعَقْلِ) ، بَيْنَمَا انْحَصَرَ مَسْلَكُ الأَخْبَارِيِّينَ فِي الثَّانِي (السُّنَّةِ) ، وَاعْتَصَمَ الفَلَاسِفَةُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ بِالثَّالِثِ (العَقْلِ) ، فِيمَا عَوَّلَ العُرَفَاءُ وَأَهْلُ التَّصَوُّفِ عَلَى الرَّابِعِ (الوِجْدَانِ وَالمُشَاهَدَةِ) . أَمَّا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ التَّحْقِيقُ ، وَنَضِجَتْ بِهِ ثِمَارُ البُحُوثِ الرَّصِينَةِ ـ لَا سِيَّمَا لَدَى أَعْلَامِ مَدْرَسَةِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ) طِيلَةَ تِلْكَ القُرُونِ ـ : فَهُوَ أَنَّ المَصْدَرَ الحَقَّ يَتَمَثَّلُ فِي مَجْمُوعِ هَذِهِ الرَّوَافِدِ ؛ شَرِيطَةَ الِاعْتِمَادِ عَلَى بَدِيهِيَّاتِهَا المَوْسُومَةِ فِي لِسَانِ الوَحْيِ بـ (المُحْكَمَاتِ) . وَهِيَ مَرَاتِبُ تَفَاضُلِيَّةٌ ، حَيْثُ تُرَدُّ المَرْتَبَةُ النَّازِلَةُ إِلَى الصَّاعِدَةِ ، وَتُعْرَضُ الأَدْنَى عَلَى الأَقْوَى وَالأَهْيَمَنِ . وَبِالْجُمْلَةِ : أَنَّ مُتَشَابِهَاتِ هَذِهِ المَصَادِرِ الأَرْبَعَةِ تُعْرَض علىٰ مُحْكَمَاتِهَا ، ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ المُحْكَمَاتِ تَنْتَظِمُ فِي مَرَاتِبَ تَفَاضُلِيَّةٍ ؛ حَيْثُ تُرَدُّ المَرْتَبَةُ النَّازِلَةُ عَرْضاً وَتَقْوِيماً إِلَى المَرْتَبَةِ الصَّاعِدَةِ الَّتِي تَعْلُوهَا هَيْمَنَةً وَتَحْصِيلاً . وَعَلَيْهِ : فَإِنَّ كُلَّ رُتْبَةٍ مِنَ المُحْكَمَاتِ تُعَدُّ (مُحْكَمَةً) بِالقِيَاسِ إِلَى مَا دُونَهَا مِنَ المَرَاتِبِ النَّازِلَةِ ، لَكِنَّهَا تَسْتَحِيلُ (مُتَشَابِهَةً) بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَوْقَهَا مِنَ المَرَاتِبِ الشَّامِخَةِ ؛ فَالحِسُّ ـ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ ـ رَغْمَ كَوْنِهِ مَصْدَراً لِلْيَقِينِ وَمُحْكَمًا فِيمَا دُونَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ يَضْحَى (ظَنًّا مُتَشَابِهًا) حِينَ يُقَاسُ بِمَرَاتِبِ اليَقِينِ العُلْوِيَّةِ الَّتِي تَبِينُ عَنْ مَحْدُودِيَّةِ المَدَارِكِ الحِسِّيَّةِ . وَهَذَا الْمَعْنَى الدَّقِيقُ اسْتَفَاضَتْ بِهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ شَأْنُهُ) الْوَارِدُ فِي سِيَاقِ تَعْقِيبِهِ عَلَى زَعْمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ : [وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا](5). لَقَدِ ارْتَهَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي دَعْوَى قَتْلِ المَسِيحِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) إِلَى مُعْطَيَاتِ الحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ ، بَيْدَ أَنَّ البَارِيَ (جَلَّتْ عَظَمَتُهُ) وَسَمَ مَسْلَكَهُمْ هَذَا بِـ (الظَّنِّ المُتَشَابِهِ) ، وَنَعَى عَلَيْهِمْ رُكُونَهُمْ إِلَيْهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الحِسَّ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ فِي ذَاتِهِ مَرْتَبَةً مِنَ العِلْمِ ـ مَا لَمْ يُصَادِمْ يَقِيناً أَعْلَى مِنْهُ ـ إِلَّا أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ وَيَسْتَحِيلُ ظَنًّاً مُتَشَابِهاً حِينَ يُعَارِضُ يَقِيناً أَرْفَعَ رُتْبَةً وَأَقْوَى حُجِّيَّةً . وَتَفْصِيلُ البُرْهَانِ فِي ذَلِكَ : أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ عَايَنُوا مِنْ مَعَاجِزِ المَسِيحِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) مَا أَوْرَثَهُمْ يَقِيناً وَحْيَانِيّاً بِنُبُوَّتِهِ ، وَهُوَ يَقِينٌ يَعْلُو فِي هَرَمِ المَعْرِفَةِ عَلَى اليَقِينِ العَقْلِيِّ فَضْلًا عَنِ الحِسِّيِّ . وَقَدْ أَنْبَأَهُمْ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِبَقَائِهِ حَيّاً إِلَى أَوَانِ ظُهُورِ المَهْدِيِّ المَوْعُودِ (عَجَّلَ اللهُ فَرَجَهُ) ، فَكَانَ قَوْلُهُ هَذَا مَحْفُوفاً بِسُلْطَانِ المَعْجِزَةِ ؛ غَيْرَ أَنَّهُمْ نَبَذُوا قَوْلَ صَاحِبِ المَعْجِزَةِ وَاعْتَصَمُوا بِظَاهِرِ الحِسِّ ، فَلَمَّا خَالَفَ حِسُّهُمْ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ مَنَالًا وَأَمْتَنُ اتِّصَالًا ـ وَهُوَ المَعْجِزُ الوَحْيَانِيُّ ـ صَارَ ذَلِكَ الحِسُّ مُتَشَابِهاً لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي مَقَامِ الِاعْتِقَادِ . وَخُلَاصَةُ المَقَالِ : إِنَّ كُلَّ مِـحْوَرٍ مِنْ مَحَاوِرِ المَعْرِفَةِ الأَرْبَعَةِ يَشْتَمِلُ عَلَى (نِطَاقٍ مَرْكَزِيٍّ) وَمَسَاحَةٍ بَدِيهِيَّةٍ جَلِيَّةٍ تُسَمَّى بِـ «المُـحْكَمِ» ، تَنْتَظِمُ فِيمَا بَيْنَهَا بِرَوَابِطَ مِنَ المُحَاذَاةِ وَالمُوَازَاةِ الدَّقِيقَةِ ؛ لِتُشَكِّلَ بِنْيَةً مَعْرِفِيَّةً مُتَمَاسِكَةً . وَتُعَدُّ هَذِهِ (المُعَادَلَةُ المَعْرِفِيَّةُ) مِنَ المَطَالِبِ الشَّامِخَةِ وَالبَدِيعَةِ الَّتِي جَلَتْهَا بَيَانَاتُ الوَحْيِ البَاهِرَةُ ؛ إِذْ تَنْطَوِي عَلَى تَرَاكِيبَ هَنْدَسِيَّةٍ بَالِغَةِ التَّعْقِيدِ فِي هَيْكَلَةِ اليَقِينِ ، وَتَنْضِيدِ صُرُوحِ المَعْرِفَةِ الحَقَّةِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) آلُ عِمْرَانَ : ٧. (٢) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، ١٠ : ٣٦٩ / ح١٨. (٣) ص : ٢٩. (٤) ق : ٣٧. (٥) النِّسَاءُ : ١٥٧